علي الجارم / مصطفى أمين

17

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

وافرين « 1 » ما نأل رجلا منهم كلم « 2 » ، ولا أريق لهم دم ، فلو أن رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ، ما كان به ملوما ، بل كان عندي جديرا . « فواعجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم ، وفشلكم عن حقّكم . فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى « 3 » ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللّه وترضون « 4 » » . فانظر كيف تدرج ابن أبي طالب في إثارة شعور سامعيه حتى وصل إلى القمّة فإنه أخبرهم بغزو الأنبار أولا ، ثم بقتل عامله ، وأنّ ذلك لم يكف سفيان بن عوف فأغمد سيوفه في نحور كثير من رجالهم وأهليهم . ثم توجه في الفقرة الثانية إلى مكان الحميّة فيهم ، ومثار العزيمة والنخوة من نفس كل عربى كريم ، ألا وهو المرأة ، فإن العرب تبذل أرواحها رخيصة في الذود عنها ، والدفاع عن خدرها . فقال : إنهم استباحوا حماها ، وانصرفوا آمنين . وفي الفقرة الثالثة أظهر الدّهش والحيرة من تمسك أعدائه بالباطل ومناصرته ، وفشل قومه عن الحق وخذلانه . ثم بلغ الغيظ منه مبلغه فعيّرهم بالجبن والخور . هذا مثال من أمثلة الأسلوب الخطابي نكتفي به في هذه العجالة ، ونرجو أن نكون قد وفقنا إلى بيان أسرار البلاغة في الكلام وأنواع أساليبه ، حتى يكون الطالب خبيرا بأفانين القول ، ومواطن استعمالها وشرائط تأديتها ، واللّه الموفق .

--> ( 1 ) وافرين : تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم . ( 2 ) الكلم بالفتح : الجرح . ( 3 ) الغرض : ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها . ( 4 ) يشير بالعصيان إلى ما كان يفعله جيش معاوية من السلب والنهب والقتل في المسلمين والمعاهدين ، أما رضا أهل العراق بهذا العصيان فكناية عن قعودهم عن المدافعة ، إذ لو غضبوا لهموا إلى القتال .